محمد أبو زهرة

1151

زهرة التفاسير

وهؤلاء جاءهم العلم ولم يلازموه ولم يصاحبوه ولم يذعنوا لحكمه ؛ ولذا لم يقل سبحانه « أوتوا العلم » بل قال : جاءَهُمُ الْعِلْمُ إذ قد جاءهم ولم يردوا موارده العذبة ، والعلم كالمطر الغزير لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة ، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا النفوس الطيبة ، فأولئك الظالمون جاءهم العلم ، ولم يكونوا علماء يخشون اللّه ، ولم يكونوا أولى العلم الذين يشهدون بوحدانية اللّه . وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ آيات اللّه تشمل آياته الكونية الدالة على وحدانيته ، وآياته المنزلة الداعية إلى شريعته ، والمبينة لها . والمعنى : من يكفر بآيات اللّه جاحدا غير مذعن لحكمها طامسا لداعى الفطرة في قلبه فإن اللّه محاسبه ومعاقبه ، واللّه سريع الحساب . فقوله تعالى : فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ قائم مقام الجواب المحذوف ، والسياق هكذا : ومن يكفر باللّه فإن اللّه معاقبه ومحاسبه ، واللّه سريع الحساب ، وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب ، وعلى العلم الكامل للمحاسب وهو اللّه سبحانه وتعالى ، فهو لا يحتاج إلى فحص وبحث ، وتدل على قيام البينات القاطعة ، إذ تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم بما اقترفوا ، بل تشهد عليهم قلوبهم بما جحدوا ، وختم الكلام عن أهل الكتاب بهذه العبارة السامية للإشارة إلى أن اختلافهم لا محالة راجع إلى كفرهم ، وأن الكفر له عقاب بعد حساب سريع مؤكد ، ونتيجته عذاب أليم ، وأسباب العلم حجة عليهم ، وليست حجة لهم . اللهم لا تجعلنا ممن أضله اللّه على علم ، ووفقنا للهداية ، وأنطق ألسنتنا بالحق ، واهدنا سواء الصراط . [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 20 إلى 22 ] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَ أَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ ( 20 ) إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ ( 21 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ ( 22 )